أحمد بن محمد القسطلاني

101

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الأجر في موضع أحدهما . ( ومن أصاب ) منكم أيها المؤمنون ( من ذلك شيئًا ) غير الشرك ، بنصب شيئًا مفعول أصاب الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط والجاز للتبعيض ، ( فعوقب ) أي به كما رواه أحمد أي بسببه ( في الدنيا ) أي بأن أقيم عليه الحد ، ( فهو ) أي العقاب ( كفارة له ) فلا يعاقب عليه في الآخرة ، وفي رواية الأربعة فهو كفّارة بحذف له ، وقد قيل : إن قتل القاتل حدّ وإرداع لغيره ، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم ، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يجز العفو في القاتل ، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء أن الحدود كفارات لظاهر الحديث ، وفي الترمذي وصححه من حديث عليّ بن أبي طالب مرفوعًا نحو هذا الحديث ، وفيه : ومن أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة . وشيئًا نكرة تفيد العموم لأنها في سياق الشرط ، وقد صرح ابن الحاجب بأنه كالنفي في إفادته ، وحينئذ فيشمل إصابة الشرك وغيره ، واستشكل بأن المرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون قتله كفّارة . وأجيب بأن عموم الحديث مخصوص بقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء : 48 ] أو المراد به الشرك الأصغر وهو الرياء ، وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد ، وأجيب بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز فهو محتمل وإن كان ضعيفًا ، وتعقب بأنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا والرياء لا عقوبة فيه ، فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص . وقال قوم بالوقف لحديث أبي هريرة المروي عند البزار والحاكم ، وصححه أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : لا أدري الحدود كفّارة لأهلها أم لا ، وأجيب بأن حديث الباب أصح إسنادًا وبأن حديث أبي هريرة ورد أولاً قبل أن يعلم عليه السلام ، ثم أعلمه الله تعالى آخرًا . وعورض بتأخر إسلام أبي هريرة ، وتقدم حديث الباب إذ كان ليلة العقبة الأولى ، وأجيب بأن حديث أبي هريرة صحيح سابق على حديث الباب ، وأن المبايعة المذكورة لم تكن ليلة العقبة وإنما هي بعد فتح مكة وآية الممتحنة ، وذلك بعد إسلام أبي هريرة . وعورض بأن الحديث رواه الحاكم ولا يخفى تساهله في التصحيح . على أن الدارقطني قال : إن عبد الرزاق تفرد بوصله ، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله ، وحينئذ فلا تساوي بينهما . وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتوفيق بين الحديثين ، وبأن عياضًا وغيره جزموا بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمنى ، ويؤيده قوله عصابة المفسر بالنقباء الاثني عشر ، بل صرح بذلك في رواية النسائي ، ولفظه : بايعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة العقبة في رهط ، والرهط ما دون العشرة من الرجال فقط . وقال ابن دريد : وربما جاوز ذلك قليلاً ، وهو ضد الكثير وأقله ثلاثة وأكثر القليل اثنان فتضاف للتسعة فالمجموع أحد عشر ، فكان المراد من الرهط هنا أحد عشر نقيبًا ، ومع عبادة اثنا عشر نقيبًا . وإذا ثبت هذا فقد دلّ قطعًا أن هذه المبايعة كانت ليلة العقبة الأولى لأن الواقعة بعد الفتح كان فيها الرجال والنساء معًا مع العدد الكثير انتهى . ( ومن أصاب من ذلك ) المذكور ( شيئًا ثم ستره الله ) وفي رواية ابن عساكر وعزاها الحافظ ابن حجر لكريمة زيادة عليه ( فهو ) مفوّض ( إلى الله ) تعالى ( إن شاء عفا عنه ) بفضله ، ( وإن شاء عاقبه ) بعدله ، ( فبايعناه على ذلك ) . مفهوم هذا يتناول من تاب ومن لم يتب ، وأنه لم يتحتم دخوله النار بل هو إلى مشيئة الله . وقال الجمهور : إن التوبة ترفع المؤاخذة ، نعم لا يأمن من مكر الله لأنه لا اطّلاع له على قبول توبته . وقال قوم بالتفرقة بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب . فإن قلت : ما الحكمة في عطف الجملة المتضمنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء والمتضمنة للستر بثم ؟ أجيب باحتمال أنه للتنفير عن مواقعة المعصية ، فإن السامع إذا علم أن العقوبة مفاجئة لإصابة المعصية غير متراخية عنها وأن الستر متراخٍ ، بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقيها قاله في المصابيح . ورجال إسناد هذا الحديث كلهم شاميون وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادة ، ورواية من رآه عليه الصلاة والسلام عمن رآه ، لأن أبا إدريس له رؤية ،